ابن عجيبة
539
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : من أراد سلامة الدارين والظفر بقرة العين ، فليتمسك بالإيمان باللّه ، وبكل رسول أتى من عند اللّه ، وليتبع من يدعو إلى اللّه . وهم أهل المحبة والوداد ، السالكون مناهج الرشاد والسداد . وليتجنب كل جبار عنيد ، وهو : كل من يحول بينك وبين اللّه ، ويغفلك عن ذكر اللّه . وقوله تعالى : ( ألا بعدا لعاد ) وأخواتها ، فيها تخويف لأهل القرب والوصال . قال في الإحياء : ولخصوص المحبين مخاوف في مقام المحبة ، ليست لغيرهم ، وبعض مخاوفهم أشد من بعض ، فأولها : خوف الإعراض ، وأشد منه : خوف الحجاب ، وأشد منه : خوف الإبعاد ، وهذا المعنى من سورة هود هو الذي شيب سيد المحبين ، أنه سمع : ( ألا بعدا لعاد ) ، ( ألا بعدا لمدين ) ، وإنما تعظم هيبة البعد وخوفه في قلب من ألف القرب وذاقه ، وتنعّم به . ثم قال : ثم خوف الوقوف وسلب المزيد ، فإنا قدّمنا : أن درجات القرب لا نهاية لها . ه . ثم ذكر قصة صالح عليه السّلام فقال : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 61 إلى 63 ] وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ( 61 ) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ( 62 ) قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ( 63 ) قلت : قال الشطيبى : صالح : هو ابن عبيد بن عابر بن أرفخشد بن سام بن نوح . وثمود هم أولاد ثمود بن عوص بن عاد بن إرم بن سام بن نوح . ه . وفيه نظر ؛ فقد ذكر البيضاوي في سورة الأعراف أن بين صالح ونوح تسعة أجداد ، فانظره . يقول الحق جل جلاله : وَ أرسلنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً ، قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ كونكم من الأرض ؛ لأنه خلق آدم منها ، والنطف التي هي مواد نسله أصلها منها ، وَاسْتَعْمَرَكُمْ ؛ عمركم فِيها وجعلكم تعمرونها بعد من مضى قبلكم ، ثم تتركونها لغيركم . أو استبقاكم فيها مدة أعماركم ، ثم ترحلون عنها . فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ، إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ من كل شئ ، مُجِيبٌ لمن دعاه .